محمود صافي
271
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه مع فوائد نحوية هامة
أشياء من وصف أو مدح أو هجاء أو نسيب أو غير ذلك من الفنون ، وقد أراد اللّه بذلك الكناية عن المشتبه من الطرق ، لأن الجادة البيضاء هي الطريق التي كثر السلوك عليها جدا ، وهي أوضح الطرق وأبينها ، يأمن فيها المتعسف ، ولا يخاف اجتيازها الموغل في الاسفار ، والممعن في افتراش صعيد المغاور ؛ ولهذا قيل : ركب بهم المحجة البيضاء ، ودونها الحمراء ، ودون الحمراء السوداء ، كأنها في خفائها والتباس معالمها ضد البيضاء في الظهور والوضوح ، ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة بينهما ، فالطرف الأعلى في الظهور البياض ، والطرف الأدنى في الخفاء السواد ، والأحمر بينهما ، على وضع الألوان والتراكيب ، وكانت ألوان الجبال لا تخرج ، في الغالب ، عن هذه الألوان الثلاثة ، أتت الآية الكريمة على هذا التقسيم ، فحصل فيها التدبيج ، مع صحة التقسيم وهي مسرودة على نمط متعارف ، مسوقة للاعتداد بالنعم ، على ما هدت إليه من السعي في طلب المصالح والمنافع ، وتجنب المعاطب والمهالك الدنيوية والأخرويه . 3 - العدول إلى الاسمية : في قوله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ » وفي قوله تعالى قبلها « وَمِنَ الْجِبالِ » : إيراد الجملتين اسميتين ، مع مشاركتهما لما قبلهما من الجملة الفعلية ، في الاستشهاد بمضمونها ، على تباين الناس في الأحوال الباطنة ، لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والأنعام ، فيما ذكر من الألوان أمر مستمر ، فعبّر عنه بما يدل على الاستمرار ؛ وأما إخراج الثمرات المختلفة ، فحيث كان أمرا حادثا ، عبر عنه بما يدل على الحدوث . 4 - التقديم والتأخير والحصر : في قوله تعالى « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » لحصر الخشية بالعلماء ، كأنه قيل : إن الذين يخشون اللّه من بين عباده هم العلماء دون غيرهم ؛ أما إذا قدمت الفاعل ، فإن المعنى ينقلب إلى أنهم لا يخشون إلا اللّه . وهما معنيان مختلفان كما يبدو للمتأمل .